الأدب الإسلامي

 

الجوانب الأخلاقية في شعر أبي فراس

بقلم:  الأستاذ أبو ثوبية حنيف القاسمي، حيدرآباد

 

 

 

يتناول الشعر الجانب الأخلاقي، كما يتناوله النثر، وهناك كثير من الشعراء الذين جعلوا الجوانب الأخلاقية موضوع نقاشهم، وبحثوا عن الفضائل؛ لأن الشعر له وقع في القلوب، وفعل وتأثير في النفوس؛ لذا وجّه الشعراء عنايتهم إلى بيان الفضائل والمبادئ والقيم الإنسانية في شعرهم، وصوروا المعاني السامية، والمكارم العالية صورة الحقيقة، وعملوا خلال ذلك على تربية الإنسانية وتنشئة المجتمع الإنساني على أسس نبيلة وشريفة؛ لأن القيم والأخلاق هي وسيلة لتحقيق ما يجب تحقيقه، فالأخلاق والمكارم، أداة بناء حضاري، تعمل على ترسيخ ما له أحقية الوجود، فتحارب الخطأ والسلبيات، وتدعم الصواب، والإيجابيات في المجتمع الإنساني، لترتقي به إلى الفضل والكرم، فللجانب الأخلاقي دور مهم في حياة الإنسان، وها هنا شاعر يبيّن فضائل الأخلاق في شعره، و اتصف نفسُه بالمكارم السامية، وهنا نحاول في ضوء شعره إفصاح أخلاقه وتعبير مواقفه الحياتية.

نبذة يسيرة عن حياة الشاعر:

     أبو فراس هو الحارث بن أبي المعالي سعيد بن حمدان، ينتهي نسبه إلى تغلب، ولد سنة 320هـ، وقتله قَرعُوَيْهِ سنة 357هـ، وهو ابن أخي سيف الدولة الأمير الحمداني، تولّاه بالرعاية بعد مقتل أبيه، وولّاه إمارة منْبِج وحّران، فكان الأمير الفارس المدافع عن العرب في وجه الغزوات الرومية.

     ويقول عنه ابن خلكان نقلا عن الثعالبي:

     كان فرد  دهره، وشمس عصره، أدبًا وفضلًا، وكرمًا ومجدًا، وبلاغة وبراعة، وفروسية وشجاعة، وشعره مشهور سائر(1)، بين الحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة، ومعه رواء الطبع وسمة الظرف وعزة الملك، ولم تجتمع هذه الخلال قبله إلا في شعر عبد الله بن المعتز. وأبو فراس يعد أشعر منه عند أهل الصنعة ونقدة الكلام. وكان الصاحب بن عباد يقول: بدئ الشعر بملك وختم بملك، يعني امرأ القيس وأبا فراس. وكان المتنبئ يشهد له بالتقدم والتبريز ويتحامى جانبه فلا ينبري لمباراته ولا يجترئ على مجاراته، وإنما لم يمدحه ومدح من دونه من آل حمدان تهيبًا له وإجلالًا، لا إغفالًا وإخلالًا. وكان سيف الدولة يعجب جدًا بمحاسن أبي فراس ويميزه بالإكرام على سائر قومه ويستصحبه في غزواته واستخلفه في أعماله.

1- العفة ونقاء السريرة:

     العفة فضيلة القوة الشهوانية، تلطّف الأهواء، فتترك النفس هادئة، والعقل حرًا، هناك أبيات من شعر أبي فراس تعبّر عن الفضيلة والعفة في التركيبة النفسية والروحية؛ لأن الرجل الفاضل، ذا النفس النقية والعفة تلجم نزواته وترتقي بسلوكه إلى طهارة الروح والجسد، هنا أبيات تدلّ على أهمية العفّة في حياة الإنسان، فيقول:

ويَا عِفَّتي مــا لي ومــا لكِ كلّما

هممتُ بأمرٍ، همَّ لي منكِ زاجِرُ؟

كأنَّ الحِجا والصّون والعقل والتقي

لديَّ لرِبَّاتِ الخـدورِ ضرائرُ(2).

     كما هو عفيف النفس عفيف عن كل مغريات الحياة، فهو عفيف النفس عن المال، يهينه، ولا يسعى إليه إلا ليصون شرفه وعزّة نفسه:

أحمي حريمي أن تبا         حَ ولستُ أحمي ماليه(3).

2- مجاهدة النفس والترفّع عن الدنيا:

     مجاهدة النفس من أقوى أنواع الرّدع النفسي، وأكثرها صرامة، ولا ينجح في ذلك إلا ذو النفوس الكبيرة كأبي فراس، كان صارمًا مع نفسه، يصونها، ويبعدها عن كل ما يعيبها، فيترفّع عن الدنايا، وينأى بها عن كل خلق ذميم، فهو يعبّر عن أخلاقه، ومكنونات نفسه، وإشراقات روحه ووجدانه:

أفــرّ من السّوء، لا أفعـلُـه

ومن موقف الظلمِ، لا أقبلُه(4).

     وهو يفرّ من السّوء، وكأنّه نجسٌ، ولا يقبل الظلم، لا لنفسه ولا لغيره، فهو لا يرضى أن يلحق الضيم بمن هو أضعف منه حتى اعتدي عليه:

«لستُ بالمستضيم من هو دوني

اعتــداء، ولستُ بالمـُستضـام

أبذل الحــق للخصوم إذا مـا

عجزت عنه قدرة الحكام(5).

3- الوفاء ورفض الغدر:

     الوفاء من شيم النفوس الشريفة، والأخلاق الكريمة، والخلال الحميدة، يعظّم صاحبه في العيون، وتصدق فيه خطرات الظنون. وأشعار أبي فراس تُظهر خلق الوفاء متأصلا في شخصيته يجسّده بالقول والعمل؛ لأن الوفاء  من أهمّ خصائص الرجولة، ولذلك كان يحرص عليه، ويفي حتى لأصدقائه الذين يتهاونون في ودّهم ووفائهم كما قوله:

وفي كلّ دار لي صــديقٌ أوَدُّهُ

إذا ما تفرّقنا حفظتُ وضيّعا(6).

     فهو يحفظ ودّ صديقه في الوقت الذي يضيّع هذا الصديق ودّه، وفي هذا دليل على كبر نفس ورحابة صدر، وكرم خلق، وكذلك في قوله:

فقُل لبني ورقاءَ إنْ شطَّ منزلٌ

فلا العهدُ منسيٌّ، ولا الودُّ داثرُ(7).

     يعني أنه مخلص لأصدقائه، وفيٌّ لهم حتى لو تباعدت الأماكن، أو ضيّعوا ودّه، فلا شيء يثنيه عن وفائه لهم؛ لأن هذا الخلق من طبعه وتكوينه، ينسجم مع ضميره ووجدانه.

4- الكرامة والشرف:

     ومن يتحلى بتلك الأخلاق السمحة لا يمكن أن يكون ذليلا؛ بل هذه الأخلاق تؤكّد إحساسه بالكرامة، ورفضَه للذلّ، فالشرف والعزّة في تكوينه الخلقي، يسعى إلى تعزيزهما، ولو كلّفه هذا السعي والجهد والمكابدة: فيقول:

إذا ما العزُّ أصبح في مكان

سمَوتُ له وإن بعُــدَ المــزارُ

مقامي حيث لا أهوي قليلٌ

ونومي عنــد من أقلي غـرارُ

أَبتْ لي همّتِي وغرارُ سيفي

وعــزمي والمطيّـةُ والقفــارُ

ونفسٌ لا تجاورها الدّنايا

وعرضٌ لا يرفُّ عليه عارُ(8).

     فعزّة نفسه جعلته يرفض الثروة والمكاسب إن لم تكن محصّلة بالعزّ والكرامة.

5- احترام المبادئ:

     الحياة عند أبي فراس مبدأ وموقف، يجب أن يحترم، لذلك فهو يرسم لنفسه منطلقًا أخلاقيًا واضحًا، يحترم مبادئه، ومن هذه المبادئ سعيه لفعل الجميل، وتعزيزه لقيمه، كما في قوله:

سآتي جميلا ما حَييتُ فإنّنــي

إذا لم أُفِدْ شكرا أُفدْتُ به أجرا(9).

     ومنها قيم شخصية، يدافع عنها، ويتشبّث بها، مثل الصبر، وقول كلمة الحق والوقار، والهيبة، فهو الصَبور حتى لو استنزفه صبره كل طاقته، وهو قؤول للحق حتى لو عرّضه هذا لضربات السيوف، كما أنّه الوقور المحافظ على هيبته ووقاره في خضم أهوال الزمن  التي تحاول النيل منه معزّزة بخطرات الموت المخيّم فوقه، فيقول:

صبورٌ ولو لم تبق منّي بقيّـــةٌ

قؤولٌ ولو أنّ السيوفَ جوابُ

وقورٌ وأهوالُ الزمانِ تنوشني

وللموت حولي جيئة وذهـابُ

وألحظُ أحوالَ الزّمانِ بمقلــةٍ

بها الصّدقُ صدقٌ والكِذابُ كِذابُ(10).

6- الرحمة والعدالة:

     الرحمة شعور إنسانيٌّ سامٍ، والذي يتحلّى به لا يستطيع إلا أن يكون رحيمًا بالمستضعفين وساعيًا إلى إنصافهم ومحاولًا تحقيق العدالة لهم، وهذا ما عرف به أبو فراس؛ إذ كان يرفض الظلم، ويعدل مع الضّعفاء، ويواجه ذوي الشموخ والأنفة كما في قوله:

وأبذلُ عدلي للأضعفــين

وللشّامخ الأنفِ لا أبذُله(11).

7- البشاشة والتسامح:

     و المطبوع على الرحمة والعدالة لا يكون عبوسًا مكفهرّ الوجه؛ لأن مشاعره تربطه بأخيه الإنسان، وتقرّبه منه، فيحس برغبة التواصل معه:

فأحبُّ إخواني إليّ أبشّهُمْ

بصديقه، في سرّه أو جهره(12).

     ويقول أيضا:

ولستُ بجهمِ الوجهِ في وجهِ صاحبي

ولا قائلا للضيفِ : إنك راحلُ(13).

     وهذا ما كان لدى أبي فراس من خلق كريم يتجلّى في تعامله مع إخوانه، إذ كان دمثًا معهم طائعًا لهم، لا يسعى إلى مؤاخذتهم، بل يبقى يصفح عنهم، ويغفر لهم أخطاءهم، فلا يمارس ردّات فعل وانتقام ممّن أساء إليه؛ بل يسامحه ويعفو عنه بكبر وإنسانية ، كما في قوله:

ما كنتُ مذْ كنتُ إلا طوعَ خلاني

ليست مؤاخذةُ الإخوان من شأني

يَجني الخليلُ فأستحـلي جنايتـــه

حتى أذلّ على عفـوي وغفــراني

ويُتبعُ الذّنبَ ذنبًا حـين يعــرفني

عمدًا، وأتبـعُ غفـــرانًا بغفــران

يجني إليّ، فأحنو صافحًــا أبـــدًا

لا شيءَ أحسنُ من حانٍ على جانِ(14).

     مجمل القول:

     مجمل القول أنّ هذه الأخلاق، والاتصاف بها، وتكوين شخصية أبي فراس ببدائعها الأخلاقية والإنسانية، فهو يدعو بها  الإنسانية إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة الكريمة، والتخلّي عن الرذائل والمساوئ، فهو مع علو نسبه، وشرفه، وكرامته، لم يعكر عفّته، وقضى حياته أبي النفس، صارمًا مع نفسه، والترفّع عن الرذائل والدنايا، وكان حريصًا على الوفاء وعدم الغدر مع الأصدقاء، وكل من له إحسان إليه، وهو لا يذلّ نفسه ولا يهينه؛ بل الكرامة والشرافة عزيزة في نفسه، وهو يحترم المبادئ ويطبّقها في حياته، وهو يقيم الوزن للإنسانية. والرحمة والعدالة غزيرة نفسه، والبشاشة والتسامح يعلو محياه في كل حين وآن، وهو يجمع بين الإنسانية برابطة الإنسانية، فلا يقيم لِلنسب وزنًا إلا بصفو الضمائر، وطهارة النفوس والقلوب.

*  *  *

الهوامش:

(1)     ابن خلكان، وفيات الأعيان، أبو فراس الحمداني، 2/95، دارصادر، بيروت.

(2)     أبي فراس، ديوان أبي فراس: 4، مكتبة الشرق، المطبعة الأدبية بيروت، سنة 1910م.

(3)     أبي فراس، ديوان أبي فراس: 145.

(4)     أبي فراس، ديوان أبي فراس:76.

(5)     أبي فراس، ديوان أبي فراس:127.

(6)     أبي فراس، ديوان أبي فراس:43.

(7)     أبي فراس، ديوان أبي فراس:7.

(8)     أبي فراس، ديوان أبي فراس:24.

(9)     أبي فراس، ديوان أبي فراس:1.

(10)   أبي فراس، ديوان أبي فراس:38-29.

(11)   أبي فراس، ديوان أبي فراس:76.

(12)   أبي فراس، ديوان أبي فراس:64.

(13)   أبي فراس، ديوان أبي فراس:36.

(14)   أبي فراس، ديوان أبي فراس:126.

 

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، شعبان 1437 هـ = مايو – يونيو 2016م ، العدد : 8 ، السنة : 40